الطبراني

413

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

الآية ؛ فلأنّ اللّه تعالى قال : ( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) والنكاح هو الوطء في الحقيقة ، وذكر الزوج يفيد العقد لاستحالة أن يكون زوجا من غير عقد ، فكأنّ قوله ( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً ) كناية مفهمة مغنية عن التصريح . وأمّا السّنّة : فما روي أنّ رفاعة القرظيّ طلّق امرأته ثلاثا ، فتزوّجها عبد الرّحمن ابن الزّبير ، فجاءت إلى رسول اللّه تريد أن ترجع إلى زوجها الأوّل ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ هل جامعك عبد الرّحمن ؟ ] فقالت : ما الّذي معه إلّا كهدبة ثوبي هذا . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ أفتريدين أن ترجعي إلى زوجك الأوّل ؟ ] قالت : نعم ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ لا ؛ حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ] فندمت على مقالتها ، فقالت : يا رسول اللّه ، قد طاف بي ، فقال : [ لا أصدّقك الآن ] « 1 » . قوله عزّ وجلّ : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا حكم الطلاقين إذا كان على وجه الخلع ، وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيها ، ثم ذكر حكم الطلقة الثالثة بالآية التي بعد هذه الآية . وهذا مما يستدلّ به على أن المختلعة يلحقها الطلاق ؛ لأن عامة الفقهاء اتفقوا على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على

--> - وقد يقال : إن أمر النية موكول إلى القلوب ، وهذا لا يسلم معه العمل ؛ لا محالة ؟ فالجواب : إن الأصل في العقود العمل ، والأصل في عقد النكاح استمتاع كلّ من الزوجين بالآخر ، ومباشرة ذلك ، فالنية معقودة على الاستمتاع ، وانشغال القلب بنية أخرى صرف للنية الأولى ، وهذا إذا كان القلب مشغولا بنية التحايل على الحكم الشرعي ، فهذه نية مفسدة للعمل على سبيل التعبّد ، مما يخرج إلى دائرة الهوى والوقوع بالإثم ، ثم مبطلة للعقد حين تعرف وتبان كما ظهر من أمر زوجة رفاعة القرظي . أما إذا لم يكن الأمر على سبيل من أمرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذوق العسيلة ، كأن كانت النية الصدق والعقد الصحيح ، ومات عنها زوجها الثاني قبل الدخول ، أو طلّقها ؛ فالأمر على ما قال القاضي ابن العربي : « ما مرّ بي في الفقه أعسر منها » . والراجح صحة العقد ، وإذا كان الأمر كذلك صحّت النية ، وتعسّر الأمر أو تعذّر ذوق العسيلة ، فالتكليف بزوج ثالث فيه شيء من التكّلف ، فالقول ما قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير بشرطين : الأول : أن يكون النكاح صحيحا . والثاني : أن لا يقصد الزوج الثاني بالنكاح تحليل المرأة للأول ، بل لا يقصدان المرأة والزوج الثاني ذلك ، واللّه أعلم . ( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب اللباس : الحديث ( 5825 ) .